هلال بن محسن الصابي

193

الوزراء

يرجع وهو معه ، فأبطأ الغلام طويلا ، ثم عاد وعرّفنى أنه لحقه ، وقد نزل في دار بعض الوجوه ، ولم يزل يسأله ويلطف به إلى أن تقدّم إلى غلامه بأخذه . فلما قبض ابنا الفرات على النرسيين ، وأخذ ما كان في منازلهم من الأعمال والكتب وحمل إلى دارهما ، وميّزاه ، وجدا فيه ثبتا بما برّ به النرسيون أسبابهما . قال أبو عبد اللّه : وكنت جالسا قريبا من أبى العباس ، ومعي أبو منصور وأبو نوح عبد اللّه وعيسى « 1 » ابنا جبير وجماعة من الكتاب ، فأنا أحدّثهم بحديث قد شغلني عما سواه إذ وقع هذا الثّبت في يد أبى العباس فأخذه وأنفذه إلى أبى الحسن أخيه ، وهو قريب منه ، وقال : انظر فيه هل ترى اسما لصاحب الزاي - يريد زنجي - فقرأه وتأمله ثم رده عليه وقال : ما فيه ذكر له . فأعاده إليه ثانيا وقال : أردد نظرك فيه . فأعاد قراءته وردّه وقال : ما له فيه ذكر . كلّ هذا ولا أعلم صاحب الزاي من هو ، حتى قال لي أبو منصور بن جبير : أيها المشغول بالحديث قد افتضح اليوم الخلق غيرك ، واسودّت الوجوه وابيضّ وجهك . فقلت : بماذا ؟ قال . وجد فيما أخذ من دور النرسيين ثبت بما رفعوه إلى واحد واحد من أسباب أستاذنا ولم يوجد لك فيه ذكر ولا اسم . فحمدت اللّه وشكرته على ما وفّقنى له . ولمّا فرغ أبو العباس دعاني إلى حجرة خلوته ، فدخلت وهو جالس ، ومعه أخوه أبو الحسن ، فشكرانى على خروجي من جملة من قبل برّ النرسيّين وجزيانى خيرا عن حفظ الأمانة ، واستقامة الطريقة ، وخاطبانى أجمل خطاب ووعدانى أحسن وعد . وحلفا على أنني قد أصبحت لديهما كأحدهما . ولم تزل الحال تزيد معهما وعندهما إلى آخر المدة . وكان النرسيون بفضل عداوتهم لهما قد توصّلا إلى برّ كتّابهما وخزّانهما وحجّابهما

--> ( 1 ) في الأصل ومعي أبو منصور وأبو نوح وعبد اللّه بن عيسى ابنا جبير .